الفلسفة التحليلية (فلسفة كامبريدج – فلسفة اكسفورد – فلسفة اللغة العادية)

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي

World Union of Techniques of Human Development and Self-Development

Hand in Hand Towards a Secure and Prosperous Future

 

 

الفلسفة التحليلية  (analytic philosophy)

  • مفهوم ونشأة الفلسفة التحليلية :-

يشير الى تيار الفكر الفلسفي الذي نشأ منذ بداية القرن العشرين، وخصوصا تبعا لأعمال برتراند راسل، جورج إدوارد مور، ودفيج فيتجنشتاين. فإنه يشير إلى جميع التقاليد الفلسفية اللاحقة المتأثرة بهؤلاء الكتاب،

هناك شبه اتفاق بين الباحثين ان معنى التحليل هو “فك كل ما هو مركب الى اجزائه وعناصره البسيطة عن تلك المركبة”. وهو بذلك يقابل التركيب او التوليف.

اما بالنسبة الى فلاسفة اللغة الكبار (مور- رسل – فتجنشتين) فقد اعتبر هؤلاء ان الطريق الى حل الكثير من المشكلات الفلسفية التقليدية يقوم عبر تحليل العبارات اللغوية للفلاسفة تحليلاً دقيقًا، والنقص في هذا التحليل قد ادى برأيهم الى وجود مشاكل وعقبات امام الفلسفة. لذلك فقد قامت الحركة التحليلية بطرح فهم جديد للفلسفة يقوم على ان الفلسفة لم تعد تعنى باكتشاف المعارف والحقائق الجديد بل اصبحت تقوم على تحليل المعارف بغية ايضاحها وتحديد الزائف من الصحيح فيها،وهذا اعتراف بالدور الخطير الذي تلعبه اللغة في الفلسفة، حيث ان حل المشكلات الفلسفية لا يمر الا عبر فحص منطق التعبيرات العادية التي تستعمل في المناقشات الفلسفية، لتنتقل الفلسفة على يد فلاسفة التحليل من مجال الموضوعات والاشياء الى مجال الالفاظ والمعاني والعبارات الفلسفية والعلمية حتى. فالسؤال الرئيسي لم يعد “ماذا اعرف؟” بل اصبح “ما هذا الذي اعرفه؟”. من هنا اُطلق على فلاسفة التحليل اللغوي لقب“فلاسفة الفلاسفة”

المنطق وفلسفة اللغة يعتبران أساسيين في الفلسفة التحليلية منذ بداياتها. ومع أن سيطرة هاذين العلمين خفت تدريجيا، فإن العديد من التوجهات الفكرية نشأت انطلاقا من التوجه المنطقي اللغوي للفلسفة التحليلية. من ضمن هذه التوجهات الناشئة: الوضعية المنطقية، التجربية المنطقية، الذرية المنطقية، فلسفة اللغة العادية. الفلسفات التحليلية اللاحقة تتضمن أعمالا مكثفة في الأخلاقيات، الفلسفة السياسية، فلسفة الدين، فلسفة اللغة، فلسفة الذهن. أخيرا، برزت أيضا الميتافيزيقيا ضمن فروع الفلسفة التحليلية.

في نهاية القرن التاسع عشر، أدى عمل جوتلوب فريجه وغيره إلى تقدم ملحوظ في مجال المنطق، الذي حتى ذلك الحين كانت قد توقف عند عهد أرسطو. كانت الفكرة الأساسية لحلقة فيينا هي تطبيق هذه الطريقة الجديدة على المشاكل الفلسفية التقليدية. نتائج هذه الطريقة كانت مثيرة للجدل، ولكن لا يمكن إنكار أن هذه المحاولة جلبت تطورات وتداعيات مهمة في عدد من المجالات مثل علوم الحاسوب ودراسة اللغة في جوانبها المختلفة: النحوية، والدلالية، والبراغماتية.

بين الافتراضات الأخرى للوضعية المنطقية يمكن تذكر مفهوم الفلسفة بوصفها أداة للتحقق والتي من شأنها تنقيح اللغة من غموضها ومن التناقضات المتأصلة فيها، بوصفها وسيلة تهدف للكشف عن مصدر بعض المشاكل  “الفلسفية “عن طريق الاستخدام الفقهي لأشكال اللغة.

  • الفلسفة التحليلية بعد البدايات:

إذا كانت الوضعية المنطقية مستوحاة من الحجج التي طرحها لودفيج فيتجنشتاين في كتابه ” Tractatus” ، فمن الممكن ربط تطور الفلسفة التحليلية بالمراجعات والتطورات التي قدمها فيتجنشتاين نفسه على فلسفته الاولية من جهة. وبالاقتراحات التي تم جمعها ومعالجتها في وقت لاحق من قبل المفكرين الآخرين من جهة اخرى. فلسفة فيتجنشتاين المتأخرة لم تتبنى نفس أدوات الوضعيين الجدد – التحليل المنطقي و المنهج العلمي – ولكنها ركزت بدلا من ذلك على الأهداف و السياقات الحقيقية المختلفة من استخدام اللغة .

أصول الفلسفة التحليلية و الوضعية المنطقية يشتركان بشكل عام في موقف مكافحة الميتافيزيقية، وركزت الوضعية بشكل خاص على مبدأ البرهنة (او التحقق). ومع ذلك الفيلسوف جورج مور ، في مقال نشر في عام 1938، اعتبر مبدأ البرهنة  التي وضعه الوضعيون الجدد في حد ذاته نظرية ميتافيزيقية ، أو افتراض عرضة لنفس الانتقادات التي وجهتها حلقة فيينا لكل الفلسفات الكلاسيكية. من حيث تحليل اللغة، فإن الفلسفة التحليلية وجهت أبحاثها في المقام الأول الى جوانب محددة من كل شكل من أشكال التأكيد اللغوي – بالتخلي عن مشروع الوضعيين الجدد لبناء لغة رسمية على اسس منطقية بحتة – والتركيز على الاستخدام الحقيقي للغة ، كما اقترح فيتجنشتاين في نظرية الألعاب اللغوية.

 

  • السمات العامة للفلسفة التحليلية

ما يميز الفلسفة التحليلية حتى اليوم, ليست مجموعة الأطروحات وإنما الأسلوب أو النمط الفلسفي . وعلى وجه الخصوص، يمكننا تحديد أربع سمات رئيسية:

الأول هو قيمة الحجج. عند تقديم اطروحة يجب دعمها من خلال موضوع، يجب ان تكون صريحة الاسباب المؤيدة (او المعارضة ) لما يقال. حتى يمكن تقييم الأطروحات والحجج من الضروري استخدام أكبر قدر من الوضوح ، وخصوصا عند إعطاء تعريفات للمصطلحات الغير معروفة على المستوى العام.

والثاني هو استخدام تقنيات المنطق الرسمي في العرض النظري. على سبيل المثال، اللغة المشروطة ( من إمكانية و ضرورة ) ، و تحليلها من خلال دلالات العوالم الممكنة ، التي طورها روث ماركوس Barcan وشاول كريبك .

العنصر الثالث هو احترام نتائج العلوم الطبيعية.

ليس كل الفلاسفة التحليليين يتعاملون مع القضايا القريبة من العلوم الطبيعية. ولكنه مقبول عموما أن لا يكون هناك رفض لنتائجها المعترف بها، على الأقل ان لم يُقدم موضوع ذات قيمة علمية لدعم هذا الرفض . لأنه غالبا ما يتم تسليط الضوء على قيمة الحس المشترك. في الظروف المتساوية، النظرية الفلسفية التي تحافظ على حقيقة الحس السليم (مثلا، أن يكون هناك أشياء مادية ، فهناك أشخاص ، الخ ) تكون أفضل من تلك التي تناقضها.

العنصر الرابع هو العلاقة مع الفلسفة القارية

البعض يضع الفلسفة التحليلية كنقيض للفلسفة القارية. الفلسفة القارية غالبا ما تشير إلى الحركات التالية: المثالية الألمانية، الماركسية والتحليل النفسي والوجودية، والفينومينولوجيا وبعد البنيوية.

وقد تم التساؤل مؤخرا عما إذا كانت هناك بالفعل اختلافات كبيرة بين التيارين. على الاغلب يتعلق الامر بوجود اختلاف في النمط الذي يبرز في المواقف الأكثر تطرفا في هاذين التيارين. في الآونة الأخيرة حصلت عدة محاولات للتوليف بينهما

تاريخ موجز للفلسفة التحليلية

مور: الحس وفلسفة الحس المشترك . رفض المثالية البريطانية الهيجالية

برتراند راسل : تحليل منطقي ، مذهب الذرية المنطقية.

فيتجنشتاين : فلسفة مثالية اللغة.

مدرسة أكسفورد : جيلبرت رايل ، جون أوستن فيتجنشتاين (الثاني) . فلسفة اللغة العادية .

البراغماتية الأميركية: هجرة المناطقة و العلماء من أوروبا إلى الولايات المتحدة. فلسفة العلوم . المدرسة السلوكية . ويلارد فان أورمان كواين .

فلسفة اللغة : دلالات اللغة الطبيعية . دونالد ديفيدسون . أكسفورد في السبعينات . بيتر Strawson ، مايكل دوميت ، جون ماكدويل ، غاريث إيفانز .

البراجماتية المحدثة (Neopragmatism):   ريتشارد رورتي ، هيلاري بوتنام .

  •  الخصائص العامة للفلسفة التحليلية

كيف تقدم الفلسفة معرفة عن العالم, بالرغم من انها لا تلجأ الى تجارب وملاحظات . وبما انها لا تعالج موضوعات شبيهة بتلك العلمية, فهي تقدم معرفة من نوع مختلف مثل المفاهيم والكليات والنظريات ؟. وإن لم يكن كذلك فكيف تبرر الفلسفة وجودها ؟.

من بين الاجابات المتعدد قدم فلاسفة التحليل بعض الاجابات عن هذه الاسئلة. من الصعب ايجاد تعريف دقيق للفلسفة التحليلية, لأن اصحابها لا يمثلون نمطا واحدا في التفكير, لا بل انهم غير متفقين حتى على اسم مشترك لهذه الفلسفة. فالبعض يطلق عليها اسم التحليل اللغوي؛ والاخر التحليل المنطقي, وفي البداية اسم مدرسة كامبردج؛ ولآن يطلق عليها اسم مدرسة اكسفورد او فلسفة اللغة العادية.
بالرغم من ان الهدف المشترك بين فلاسفة هذه الحركة هو لفظ التحليل, فإن ممارستهم لها مختلفة. فهم لا يشتركون بموقف فلسفي بعينه. ولكنهم مرتبطون بخط تطور الفلسفة ودورها. هذا الخط بدأه مور ورسل واتجه به فتجشتاين الى وجة جديدة, وانحرف به آير عن مساره, وأعاده وزدم الى طريقه وطوره الى التحليل العلاجي (Therapeutic analysis). الذي ربما وصل الى مأزق على يد فلاسفة اللغة العادية في اكسفورد.

ولذلك من الخطأ القول ان هناك فلسفة تحليلية, بل فلاسفة تحليليون يستخدمون مصطلح التحليل في اجراءات واهتمامات معينة. ولو شئنا القول ان هذه الفلسفة تنصب على معالجة الالفاظ, فالامر ليس , لأننا في هذه الحالة نشير الى اتجاه واحد وهو ما يسمى فلسفة اكسفورد اللغوية. أي الاتجاه النابع من فتجنشتاين في كتباته المتأخرة. ولو كان الامر كذلك لكانت الفلسفة التحليلية بنظر الكثير من الباحثين بمثابة مساعد لواضعي القواميس.

وبسبب صعوبة تقديم تعريف دقيق للحركة التحليلية,

 فمن الاجدى معرفة خصائصها العامة. الذي قدمها سكوليموفسكي كما يلي:

1- اهتمامها بدور اللغة في الفلسفة

2- تجزئة المشكلات ومعالجتها كل على حدا

3- خاصيتها المعرفية

4- المعالجة المشتركة البين ذاتية لعملية التحليل

هذه الخصائص يمكن ان توجد منفردة في فلسفات اخرى ولكنها في الفلسفة التحليلية فهي موجودة جميعها.

1-  دور اللغة الفعال في الفلسفة:-

التحليليون يعطون اهمية رئيسية للغة ولا يعتبروها كوسيلة بل هدف من اهداف البحث الفلسفي. هذا الاهتمام الكبير باللغة من بعض فلاسفة التحليل مثل مور وفتجنشتاين(2) ومدرسة اكسفورد اليوم, دفع بعض الباحثين للتميز بين الفيلسوف التحليلي وبين ذلك التأملي. بأن هذا الاخير يستخدم اللغة كوسيلة لتحقيق هدفه في التأمل بالمفاهيم الميتافيزيية للوجود.

2- تجزئة المشكلات:-

الفلسفة التحليلية تبدأ بتجزئة المشكلات الفلسفية الكبيرة الشاملة كطريقة للحل. فهي لا تبدأ من فرضيات مسبقة بل بعدد قليل من المسائل. فالفلاسفة التحليليون ليسوا من بناة الانساق الفلسفية الشمولية.

ولكن هذه الطريقة في تفتيت المشكلات قد تؤدي الى تشعبات اخرى وهكذا دواليك حتى فقدان المشكلة الاصلية, ويصبح هدف التحليل هو التحليل في حد ذاته. هذه الصحيحة

3- الطابع المعرفي:-

من اهم خصائص الفلسفة التحليلية هي الكشف عن العالم الخارجي بهدف اكتساب المعرفة وليس لأي سبب اخر. وهذا ما دفع بعض الباحثين الى وصف الفلسفة التحليلية بالفلسفة العلمية. ولكن الفلاسفة التحليليون لم يحاولوا ان يجعلوا فلسفتهم علما, كما فعلت الفلسفة الوضعية عند أوجست كونت او فلاسفة العلم في القرن العشرين؛ او الماركسية التي ادعت انها الفلسفة العلمية الحقيقية.
بالرغم من ذلك, لو نظرنا الى منهج الفلسفة التحليلية لرأينا انه قريب من الاتجاه العلمي.

ما الفرق بين الفلسفة المعرفية وتلك الغير معرفية

قبل سقراط كان هدف الفلسفة اكتشاف العالم الخارجي المستقل عن الانسان, وعلى يد سقراط بدأ البحث في طبيعة الانسان ومكانته ومصيره في العالم. ثم اصبحهدف الفلسفة دراسة تفرد الانسان وقيمه وتبرير وجوده الدرامي.

فالفسفة التحليلية تبحث عن الحقيقة بموضوعية وفقا لمعتقدات المذهب العقلي.
أما الغير معرفية فتهدف الى مساعدة الانسان لكي يعيش, وتدعم مقولاتها بحجج غير عقلية, اي بالحدس والعواطف وباشياء زائدة عن الادراكات الحسية.

4- المعالجة المشتركة البين ذاتية لعملية التحليل:-

الفلسفة التحليلية تستخدم نوعا من التحليل له معناه المشترك بين الذوات بالنظر الى اللغة التي يتحقق بها هذا التحليل.

وبهذا فهي تختلف عن الفلسفات الاخرى, فمثلا الفينومنولوجيا تقصد بالتحليل على انه النفاذ الى الماهية؛ والوجودية على انه كشف عن البعد الوجودي. فالتحليل في هاتين الحالتين لا يقوم على اللغة بل على الخبرة الفردية,  وبما انه لا يرتبط باللغة المشتركة بينالذوات فلا بد ان تكون نتائجه متناقضة.

فمن الممكن ايجاز اهم اهداف التحليل كالتالي :-

1- تحليل المفاهيم والأفكار بهدف اكتشاف المبدأ الكامن وراءها كما هو الحال عند سقراط، أفلاطون و أرسطو.

2- تحليل الفكر والمعرفة إلي عناصرها الحسيّة الأولية، مثلما فعل لوك وباركلي وهيوم.

3-  تحليل اللغة دلالة وتركيبا، كما فعل مور، ورسل , فتجنشتاين، الوضعية المنطقية، مدرسة كمبردج و مدرسة أكسفورد”.

الفلسفة التحليلية ثورة فلسفية

الفلسفة الانجليزية كما هو معرف منذ القرن السادس عشر حتى القرن ال 19 , من بيكون الى مل ومرورا ب لوك وهيوم, كانت ذات طابع تجريبي. ولكن انتشار الفلسفة الهيجيلية على يد اساتذة الجامعات كما هو الحال في جامعة كامبردج من قبل فلاسفة مثل برادلي كانت بمثابة حدث غير طبيعي للفلسفة الانجليزية. أعمال برادلي اعادت الى الاذهان افكار هيجل حول امكانية العقل على الوصول الى التنبؤ بالعالم الخارجي دون الحاجة الى الحواس, لأن الكون حقيقة واحدة مطلقة بدون تكثر وليس محصور في زمان ولا محدد بزمان.

فثورة الفلسفة التحليلية بقيادة فلاسفة مثل مور ورسل وفتجتنشتاين جاءت ضد انتشار مثل هذه الافكار المثالية. ولإعادة الفلسفة الى الحقل التجريبي ولكن بصورة مختلفة. فأساس هذه الثورة هو منهج التحليل, واصالة هذا المنهج لا تكمن في تقديم نظريات جديدة بل في وضع كل الفلسفة في موضع ألتساؤل فهي فلسفة عن الفلسفة.

مصادر الفلسفة التحليلية

المنهج التحليلي [الذي اتبعته الفلسفة التحليلية ليس جديدا, بل يأتي من مصادر متعددة, فمنه ما كان قديم كفلسفة افلاطون وأرسطو وبعض فلاسفة العصور الوسطى, ومنه ما كان محدث مثل فلسفة لوك وبراكلي وهيوم.

ولكن برتراند رسل في كتابه “تاريخ الفلسفة الغربية” قدم مصادر الفلسفة التحليلية واهمها تطور وتقدم العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. الذي كان لها الاثر الكبير في صياغة المنهج التحليلي. مثلا النظرية النسبية وتاثيرها على مفهوم الزمكان, وكذلك نظرية الكم وتاثيرها على تحويل مفهوم الحدس  الى مفهوم الاحداث. ويرى رسل ان المتابع لتاريخ الفلسفة يلاحظ ان هناك تيارين متعارضين:

الاول يستوحي التفكير الفلسفي مثل افلاطون وتوما الاكويني وسبينوزا

والاخر متأثر بالعلوم التجريبية مثل ديموقريطيس وارسطو والتجريبيون المحدثين ابتدأ من لوك.

ثم جاءت الفلسفة التحليلية فاستبعدت النزعة الفيثاغورية من الرياضيات ومزجي النزعة التجريبية بالجوانب الاستنباطية من المعرفة الانسانية. فأهداف الحركة التحليلية اقل تأملا من جهة واكثر علمية من جهة اخرى. بالرغم من هذا لا يمكن القول بان جميع فلاسفة التحليل يتبعون نفس المنهج او يعتمدون على نفس المصادر لأن اتجاهات الفلسفة التحليلية متعددة.

جورج ادوارد مور

اعتبر من اول رواد الفلسفة التحليلية حينما كتب مقالته المنونة “رفض المثالية” (Refutation idealism ) عام 1903, حيث نقد والمثالية الجديدة المثالية الهيجيلية المتمثلة في فلسفة برادلي وجرين. الطريقة التي استخدمها مور في هذا النقد كانت بمثابة منهج جديد في معالجة وتناول المسائل الفلسفية. فأهمية مور لا تقتصر على كونه اول من وضع مسار الفلسفة التحليلية , بل ايضا لأنه كان اول من استخدم المنهج التحليلي وخصوصا في مسائل الاخلاق.

التحليل عند مور

– يتعلق التحليل عند مور بثلاثة موضوعات رئيسية:

ا- الواقعية الجديدة كبديل للمثالية

ب- الفهم المشترك كأساس للفلسفة التحليلية

ج- اللغة العادية بدلا من لغة الفلسفة والعلم. علما بأن الغرض الاساسي من التحليل ليس تحليل اللغة ولكن التصورات والمفاهيم.

2- التحليل للتوضيح وازالة الغموض. فمبدأ هذا التحليل يكمن في السؤال التالي: ما الذي نقصده بقولنا كذا وكذا ؟.

3- التحليل لا يضيف معرفة جديدة بقدر ما يوضح ما كنا نعرفه بالفعل (أي بواسطة الفهم المشترك, او كما يقول ابن رشد الضرورة العقلية)

4- استخدام التعريف , حيث يقول مور لأن نعرف فكرة ما, يعني ان نعرف نفس الشيء عند تحليلها.

5- تحليل المفاهيم والتصورات وليس الالفاظ والعبارات اللغوية

6- التحليل لا يعني ترجمة كلمة بكلمة اخرى مساوية لها بالمعنى, بل لا بد ان تكون اكثر وضوحا من الاولى. مثلا ان تحلل قضية ق , يعني ان نصل الى عبارة ق1 تكشف عن معنى ق اكثر من ق نفسها. وهنا ق تسمى موضوع التحليل (او المحلل)؛ و ق1 تسمة عبارة التحليل (او المُحلل.)

انواع التحليل

1-  التحليل بوصفه تعريفا لشيء حقيقي

مثلا عند تحليل الاحساس باللون الازرق, نلاحظ انه مكون من 3 اجزاء

الازرق (الموضوع)

الوعي

العلاقة بينهما

2- التحليل بوصفه تعريف للتصورات والمفاهيم verbal expressions

مثلا تحليل مفهم تصور الاخ مكون من تصوريين, وهما: – شقيق , – و ذكر. فالانسان الاخ مماثل ومطابق لمفهوم الشقيق الذكر

3- التحليل بوصفه تعريف لفظي او نحوي.

وبما الهدف من التحليل عند مور هو المعنى, فيجب التمييز مقدما بين الكلمات او الالفاظ وبين المفاهيم والتصورات؛ وكذلك بين الجمل والعبارات وبين القضايا. وبالتالي فالتحليل يقتصر على توضيح وتعريف التصورات والمفاهيم والقضايا دون الالفاظ والعبارات.

التحليلية عند برتراند رسل

التطور العلمي في القرن العشرين سواء في المجال الرياضي او في المجال التجريبي, وما احرزه من نتائج عملية وخصوصا في عملية تجزئة الذرة الى جزئيات اصغر والاستفادة من طاقتها, اثر على تحول او نشوء العديد من الفلسفات. كانت الفلسفة المثالية تسود في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر , ولكنها بدأت تضمحل لانه قل عدد المعتقدين بها. لا بل الكثير من الذين كانون من انصار الهيجلية, اصبحوا من دعاة التحليل المادي او الرياضي. ولذلك القرن العشرين سمي بعصر التحليل.
فالمذهب الذي ساد في هذه الفترة هو المذهب التحليلي الذي يشمل عدة تيارات متجانسة فيما بينها. مثل الواقعية الجديدة التي اسسها مور ومشي على خطاها رسل وفتجنشتاين في فلسفته المبكرة. من بين الفلاسفة التحليليون اعتبر رسل الاكثر اندماجا مع روح العصر وتطوراته الرياضية والتجريبية. ولذلك فقد سميت فلسفته بالفلسفة الذرية.

يؤكد رسل على اهمية التحليل الفلسفي في استمرارية البحث العلمي. فليس ما يبرر فصل مهمة تحليل الافكار عن مهمة تركيب اكتشافات الوقائع وشرحها . لأن التحليل معزولا عن البحث الواقعي يكون عملية جوفاء, وايضا البحث العلمي الذي لا يقوم على فهم حقيقي لمعانيه يكون عملية عمياء. فالمنهج التحليلي الذي يطرحه رسل لمعالجة المشكلات الفلسفية يرتبط بعقليته الرياصية. أي الرجوع الى العناصر الاساسية البسيطة المكونة للمعرفة. وفي هذا ليس هناك اجدر من الفيلسوف من استخدام الالفاظ اللغوية لتفسير معاني الاشياء, التي عادة ما تكون غامضة باستخدام لغات العلم الطبيعي. لذلك فقد ميز رسل بين مظهرين مختلفين للغة: مجموع المفردات من جهة وتحليلها من جهة اخرى

حياة رسل ومؤلفاته

نشأ يتيما وعاش عندجده الذي شجعه على الدراسة ومطالعة الكتب. في سن ال 11 قرأ كتاب اقيدس (ُEuclide) عن الهندسة. كما قرأ كتاب جيمس ستيورات مل واقتنع بقيمة المنهج التجريبي. وعندما التحق بجامعة كامبردج تأثر بمثالية هيجل ولكنه سرعان ما تحول عنها الى الواقعية والتحليلية. بعد التخرج فضل التدريس على العمل الدبلوماسي, ولكنه كان كثير الترحال لمقابلة اعلام الفلسفة الاوروبية. وبعد ان قابل العالم الرياضي بيانو (Giuseppe Peano), كتب “مبادئ الرياضة” () عام 1903, حيث حااول رد الرياضيات الى علم المنطق.

بالاضافة الى الرياضيات فقد ساير رسل احدث التطورات التجريبية في العلم الطبيعي واشهرها تحليل المادة الى ذرات وتحليل هذه الى اجزاء اصغر.

ولكن بالاضافة الى ذلك فقد وجه رسل اهتمامه الى الميادين الاخلاقية والاجتماعية والسياسية, وكان من اشهر دعاة السلام في القرن العشرين. وهذا الاهتمام لم ينشأ متاخرا لانه في شبابه تبرع بثروته الكبيرة الموروثة لجمعيات البحث العلمي التي تسعى لاقرار السلام. كافح رسل شخصيا ضد الدمار والتخلف التي احدثتها الحروب العالمية. استحق رسل جائزة نوبل للسلام لأنه كان يقف في صف الشعوب المناضلة ضد الاستعمار. فقد هاجم حرب امريكا ضد الفيتنام والهجوم الثلاثي على مصر والعدوان الاسرائيلي في حرب حزيران. أخر رسالة له كانت لتأييد العرب ضد الاحتلال الصهيوني ومن يقف ورائه من الدول الاستعمارية. ومن ثم توفي في فبراير1970.

ميادين مؤلفاته : الرياضة والمنطق الرياضي العلم وفلسفة العلم والفلسفة العامة والسياسة والاجتماع

مجالات التحليل في فلسفة رسل

الهدف الرئيسي من منهج رسل التحليلي هو الرجوع الى العناصر الاولية البسيطة والعلاقات التي تربط بينها, بهدف الوصول الى قوام الوجودواصول المعرفة.

التحليل عند رسل كان يشمل المجالات التالية:

أ- تحليل الرياضة وردها الى المنطق. بدأ رسل بتطبيق المنهج التحليلي على الرياضيات ليكشف الوحدات الاساسية التي ترتد اليها الرياضيات ويوضح العلاقات بينها وليؤكد على وجودها ككيان مستقل.

راسل اكمل جهود الرياضيين السابقين وخصوصا عمل استاذه بيانو. الذي قام برد جميع العلوم الرياضية الى علم الحساب ومن ثم رد هذه الى ثلاثة مبادئ: “اللامعرفات”, وهي الصفر والعدد والفئة. ولكن رسل بعد ذلك وجد ان فكرة العدد ترتد بدورها الى فكرة الفئة, التي هي من مباحث المنطق. وهكذا اكتشف رسل ان المشكلات الرياضية تتحول عند حلها الى مشكلات منطقية

ب- تحليل العالم المادي

في هذا التحليل ساير رسل تطورات العلم التجريبي واخر اكتشافات تفتيت الذرة. فالمادة عند تحليلها ترتد الى ذرات صغيرة التي بطبيعتهل ليست بسيطة لانها مركبة من علاقات واحداث متفاعلة بين (الكترونات) تتحركة داخل الذرة. أي ان المادة فقد ماديتها واصبحت مجموعة من الاحداث الجزئية اي مجموعة من الاحساسات (؟).

ج- تحليل الفكر والعقل

عند تحليل الفكر وجد رسل ان الشعور ليس شيئا ماديا مستقل بذاته وانما هو مجموعة من الاحداث تلتقي فيها الحواس بالمعطيات الخارجية بشكل مباشر او غير مباشر, لتصبح بعد ذلك معرفة. التي يمكن ان تكون حقيقية اذا تمت بالادراك المباشر, اما اذا تمت بطريقة غير مباشرة فتكون المعرفة اقل دقة وقيمة.

أما العقل فقد رده رسل بالتحليل الى مجموعة من احداث متغيرة وتتعدد عند علاقاتها ببعضها. كما هو حال المادة عند تحليلها.

وهكذا انحسرت الحدود بين المادة والفكر واصبحت الوقائع ليست بمادة ولا فكر. التي سماها رسل “المادة المحايدة” (او ربما يمكن تسميتها المادة الهيولانية ؟). شيئا محايدا يصبح مادة عندما يتجمع ويكون فكر واحداث عند تحليله.

د- تحليل اللغة والكلام

طالما ان حقائق الرياضيات والمادة والفكر ترتد بالتحليل الى وقائع جزئية وطالما أن احداث العقل وعلاقاته الجزئية تنصب على حقائق خارجية جزئية, فلا بد من ان تكون اللغة التي تعبر عن الادراك ايضا جزئية ومباشرة.

 

◈◈◈ مقتبس ◈◈◈

المكتب الإعلامي

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي / المكتب الإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text