التنمية البشرية وميدانها الاقتصادي في القرآن الكريم

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

 

التنمية البشرية وميدانها الاقتصادي في القرآن الكريم / الحلقة الثالثة

 

       أن من أولويات التنمية البشرية تأمين حاجات الإنسان المشروعة وتحقيق طموحاته ، وبلا شك هناك كثير من الحاجات الإنسانية التي لا نستطيع تأمينها إلا من خلال الميدان الاقتصادي وما التباين بين المدرسة القرآنية والمدرسة الرأسمالية والاشتراكية إلا على أساس قراءة المفهوم الاقتصادي وتأثيراته في كل مفردة من مفرداته ، ولعل أهم هذه الفروق هي الرؤية لذات المفهوم الاقتصادي الذي يراه كل من الرأسمالية والاشتراكية على أنه هدف في الوقت الذي يرى القرآن الكريم إن تنمية الجانب الاقتصادي مبني على أساس أنه وسيلة وليس هدف , فالتعريف بالمنهج القرآني للتنمية الاقتصادية أكثر شمولاً بحيث يُعدّ تنمية شاملة ومتوازنة غايتها الإنسان نفسه  فهي شاملة لأنها تتضمن توفير الحاجات البشرية كافة ، ومتوازنة لأنها لا تستهدف الكفاية فحسب بل تستهدف تحقيق العدالة وعدالة التوزيع ، وقوله الله تعالى }هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور{ الآية المباركة تشرع النشاط الاقتصادي على أساس الجعل الإلهي وتبين مقدمته كالأرض التي جعلها مُطاوعة منقادة لكم يمكنكم أن تستقروا على ظهورها وتمشوا فيها وتأكلون من رزقه الذي قدره لكم بأنواع الطلب والتصرف فيه , وفيها إشارة واضحة إلى تشريع النشاط الاقتصادي إذ لم يكن القرآن الكريم عائقاً أو منكراً للجانب الاقتصادي في العملية التنموية ، وقد ارتبطت نظرية الإنتاج القرآني بمتطلبات التوزيع العادل وحصول كل إنسان على قوته وتحسين معيشته بينما نجد أن الهدف من الاستهلاك في التنمية الاقتصادية القرآنية هو تحقيق المزيد من الإنتاج والنمو من خلال استثمار الجهد البشري ، وهذا يُعدّ أفضل طريق نحو تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فعل التوازن بين الاستهلاك والإنتاج  فالمنظور القرآني لم يرفض النمو الاقتصادي إلا أنه يرفض أن يكون معيار النمو الاجتماعي وتكامله على أساسه ، كما أهتم اهتماماً كبيراً بضرورة تفعيل وإنماء نشاطات الجانب الاقتصادي وعدّه ضرورة طبيعية كونه السبيل لتأمين حاجات الإنسان المختلفة والمبنية بمقتضى غريزة طبيعية نابعة من كينونته ، كما أكد القرآن الكريم ذات التنمية الاقتصادية لكنه في الوقت نفسه شرع ضوابط للمنهج الاقتصادي غايته أن تقيد الإنسان كونه حريصاً بحكم طبيعته البشرية حيث يمكن أن يُسيء استخدام النعمة بالشكل المعقول والمُعتدل.

 

       لم تكن سمة الاعتدال والاتزان سمة خاصة بالجانب الاقتصادي بل أصبحت سمة تعم المنظومة الإسلامية بكامل مفرداتها ، كذلك دعا إلى اعتماد سياسته المالية في الاعتدال بالإنفاق والاستهلاك من دون الإسراف والتقتير , ولعل اهتمام الإسلام بعدالة التوزيع نابع من إن الموارد الطبيعية التي سخرها الله هي خدمة للإنسان والإنسان هنا هو العام الذي يشمل جميع الأفراد  هكذا بقي قيد العدالة معياراً رئيساً يُعتد به في العملية التنموية الاقتصادية وبقية المجالات , لذا لم نجد القرآن الكريم قد اعترض على تباين دخل الأفراد بل عدّه حقاً مشروعاً في المنظور الاقتصادي القرآني كونه مبنياً على أساس التباين بين الجهد والخبرات والمهارات ، بل عد التباين في مستوى الدخل حافزاً للعمل ممّا يسبب زيادة الإنتاج , كما في قوله تعالى}وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالهم وَهُمْ لا يُظْلَمُون{ والآية الكريمة تنص على إن عموم الجزاء القرآني مبنيٌّ على أساس العمل ، وكذا دخل الفرد بلا شك فكل بقدر عمله وجهده , ولأن العمل ماكنة النظام الاقتصادي بل هو سبيله للإنجاح ، وهذا لا يعني أن الإسلام لم يجعل ضوابطاً لتفاوت دخل الأفراد فهو لا يعني فقراً مدقعاً أو غنىً فاحشاً فالإسلام مع اعترافه بهذا التفاوت من خلال القرآن الكريم إلا إنه يسعى من خلال آياته إزالة آثار الفقر والقضاء عليه من خلال الزكاة والصدقة , وإن النشاط التنموي القرآني لم يعترض على تباين مستوى الدخل وتباين الملكية ، إذ نجد إن النظام الاقتصادي القرآني ينظر إلى الملكية الخاصة نظرة مختلفة تماماً عما متعارف عليه في النظم الوضعية ، فالإسلام تعامل مع الملكية الخاصة على أساس مفهوم الخلافة إذ تحولت الملكية إلى أداة لا غاية ، وسيلة لتحقيق الهدف من الخلافة العامة وإشباع حاجاته الإنسانية ممّا يقتضي على الخليفة أن يكون وكيلاً مستأمناً , وإن طبيعة الخلافة تفرض على الإنسان أن يتلقى تعليماته بشأن الثروة المُستخلف عليها ممّ منحه تلك الخلافة , وإن مقتضياتها الربانية أن يكون الإنسان مسؤولاً بين يدي الله تعالى على ما استخلف خاضعاً لرقابته في كل تصرفاته وأعماله .

 

      والتنمية البشرية وميدانها الاقتصادي في القرآن الكريم واسع ورحب وله صور مُتعددة اعتمدت على استيعاب العملية الاقتصادية مادياً وروحياً لأنها تصنع الحياة وتتجلى في العمل على ترسيخ القيم الإنسانية العليا ، فإذا غلبت القيم على الاهتمامات المادية سينقلب الركود الاجتماعي إلى حراك والتدهور الاقتصادي إلى رفاه والفوضى السياسية إلى استقرار والعبث الثقافي إلى وعي والتزام , وما الخلل الروحي والأخلاقي إلا أحد أهم العوامل لتقهقر وتراجع الإنسان ومنظومته الإدارية بصورة عامة والاقتصادية بصورة خاصة ، كما إن شمولية التنمية البشرية تقتضي أن تأخذ لون ونمط وحركة الإنسان الذي يُعدّ هو الموضوع والهدف والوسيلة فيها ، كما لا يمكن للأمة أن تنال الاستقلال المعنوي من دون الاستقلال الاقتصادي ممّا ألزم وجود مُحددات لمنهجها تكون ضابطةً لتحقيق عملية الانسجام بين ضرورة تلبية الحاجات البشرية والحفاظ على القيم والمثل وفلسفة أصول وجود الإنسان ، ولكي تكون تلك المحددات منعطفاً لإنجاح الرؤية الاقتصادية المتوازنة ممّا يسبب تجانساً واضحاً بين الإنسان وعلاقته بزيادة الإنتاج وعدالة التوزيع كقضية صغروية من جهة وبين الإنسان وعلاقته بالمنظومة القيّمية وآثارها من جهة أخرى ، لأن المشكلة الاقتصادية لا تكمن في عملية الإنتاج والتوزيع فحسب بل تفتقر لفهم الإنسان إلى ذات المفهوم كما تفتقر لدافع الإنتاج ومحرك ديمومته الذي يشكل الهيكل التنظيمي للمشروع الاقتصادي وسياسته ولعناصر المناهج الاقتصادية ، وهذا ما عُدَّ سبباً واقعياً في تباين المدارس الاقتصادية نظرياً وتطبيقياً , كما إن الاختلاف بين المناهج الاقتصادية قد يتعدى الجزئيات ليصل إلى الكليات التي تغير أصل المسار الاقتصادي وهذا ما لمسناه حين نُظر إلى الإنسان على سبيل المثال على أنه أحد عناصر العملية الإنتاجية في حين نظرَ القرآنُ إليه على أنه الفاعل في عملية الإنتاج والمحرك والمستفيد والغاية ، ولهذا يمكن رؤية قصور المذهب الاقتصادي الاشتراكي والرأسمالي لعدم شموليتهما لحركة التنمية البشرية المتكاملة ومفرداتها وعلى رأس فهمهما للإنسان ، فالاشتراكية أهملت حضور الإنسان البيولوجي والرأسمالية رفضت أصله الاجتماعي وهكذا هي الحال في تثبيت المسار الرئيس في الحركة التنموية وأساسها الذي تباينت على ضوئه المدارس الاقتصادية والمبني على محورية الفرد أو الجماعة أو كلاهما ، وذهب بعضهم إلى أن من أساسيات الاختلاف بين التنمية البشرية وميدانها الاقتصادي في القرآن الكريم وغيرها هو رؤية كل منها إلى الإنسان والأخلاق فالأخلاق مسألة هامشية في التنمية الرأسمالية والاشتراكية ، بينما الأخلاق في التنمية الاقتصادية في منظور القرآن الكريم هي مدعاة لكل نجاح إنمائي إنساني .

 

◈◈◈◇◈◈◈

كتبهالأستاذ الدكتور عاطف عبد علي دريع الصالحي

البلدجمهورية العراق

Member ID: 619

Mobile Number: 07728745105

E-mail: atifabdalidrea1975@gmail.com


◈◈◈ حقوق النشر محفوظة للاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي ◈◈◈

المكتب الإعلامي

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي / المكتب الإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Don`t copy text